العراق في المونديال.. مجموعة نارية وحلم العودة بعد غياب 40 عاماً
بعد انتظار دام أكثر من أربعة عقود، عاد المنتخب العراقي إلى أكبر مسرح كروي في العالم. أسود الرافدين سيظهرون في كأس العالم 2026 التي تستضيفها الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، بمشروع جديد ومدرب طموح ولاعبين جمعوا بين خبرة المحترفين وعزيمة المحليين. المشوار لن يكون سهلاً، لكن التاريخ يقول إن العراق لا يعرف المستحيل عندما يلعب باسمه وتحت علمه.
أولاً: المجموعة التاسعة I.. مهمة مستحيلة لكنها ليست مستحيلة
أوقعت القرعة العراق في المجموعة التاسعة "I" إلى جانب ثلاثة عمالقة: فرنسا بطل العالم 2018، والسنغال بطل إفريقيا وصاحب الجيل الذهبي، والنرويج بقيادة هالاند وأوديغارد وبقية النجوم. مجموعة يمكن وصفها بسهولة بأنها الأصعب في البطولة.
الفوارق الفنية على الورق تبدو شاسعة. فرنسا تملك أقوى سكواد في العالم دون أدنى شك، والسنغال تملك سرعة وشراسة بدنية لا تُجارى، والنرويج تملك أفضل مهاجم في العالم حالياً. لكن أرنولد يعلم أن كأس العالم لا تُحسم بالأسماء. العراق لا يبحث عن معجزة، بل عن 3 نقاط مدروسة تكفيه لخطف بطاقة العبور للدور الثاني بنظام البطولة الجديد بـ48 منتخباً.
الخطة واضحة: الدفاع المنظم المنخفض، التحولات السريعة، واستغلال الكرات الثابتة والعرضيات. لو نجح أسود الرافدين في مفاجأة منتخب من الثلاثة، سيتغير كل شيء. التعادل أمام فرنسا أو السنغال قد يصبح بطاقة تأهل، والفوز على النرويج قد يقلب المجموعة رأساً على عقب.
ثانياً: تاريخ المشاركات.. من مكسيك 86 إلى أمريكا 2026
هذه المشاركة الثانية في تاريخ العراق بالمونديال. الظهور الأول كان في مونديال المكسيك 1986، عندما تأهل جيل ذهبي بقيادة عمو بابا ونجوم مثل أحمد راضي وحارس محمد. يومها خسر العراق مبارياته الثلاث بفارق هدف فقط أمام البارغواي والمكسيك وبلجيكا، وخرج مرفوع الرأس.
بعدها غاب العراق 40 عاماً كاملة عن كأس العالم، رغم أنه كان قريباً أكثر من مرة. لكن جيل غراهام أرنولد كسر اللعنة وتأهل إلى نسخة 2026 الموسعة، ليكتب اسمه بجوار جيل 86 في سجل التاريخ. المشاركة الثانية تحمل معنى أكبر: العودة ليست صدفة، بل بداية مشروع مستمر.
ثالثاً: ملوك المونديال العراقي.. أصحاب الـ3 مباريات
الجيل الذي لعب في المكسيك 86 لا يزال يتصدر سجل أكثر اللاعبين مشاركة مع العراق في المونديال. الرباعي الراحل أحمد راضي، غانم عريبي، خليل علاوي، ورحيم حميد لعبوا المباريات الثلاث كاملة في 1986، بواقع 3 مباريات لكل منهم.
اليوم أمام جيل 2026 فرصة تاريخية لتحطيم هذا الرقم. أيمن حسين وزيدان إقبال وأمير العماري وميرخاس دوسكي وحسين علي مرشحون للوصول إلى 4 أو 5 مباريات لو عبر العراق الدور الأول. التاريخ ينتظر من يكتب اسمه بجانب أساطير 86.
رابعاً: نقاط القوة والضعف.. أين يكمن الحل؟
*نقاط القوة:*
1. *أيمن حسين.. القناص*: المهاجم رقم 9 هو السلاح الأول. العراق يلعب ليصنع الفرص لأيمن داخل الصندوق. قوته في الالتحامات الهوائية وقدرته على تسجيل الأهداف من أنصاف الفرص تجعله كابوساً لأي دفاع. كل الكرات العرضية ستكون موجهة لرأسه.
2. *الروح والجمهور*: لا أحد يقاتل مثل العراقيين عندما يلعبون باسم الوطن. الروح المعنوية والقتالية العالية صنعت الفارق في تصفيات التأهل، والحضور الجماهيري المتوقع في أمريكا سيكون اللاعب رقم 12.
3. *الأطراف العصرية*: الأظهرة ميرخاس دوسكي وحسين علي لا يدافعون فقط، بل يصنعون الفارق هجومياً. انطلاقاتهم السريعة وإرسال العرضيات تمنح الفريق سلاحاً إضافياً أمام منتخبات تلعب بأجنحة مفتوحة.
4. *عمق الوسط*: وجود زيدان إقبال لاعب أوترخت الهولندي وأمير العماري يمنح الوسط العراقي شخصية. الاثنان يجيدان الاستحواذ وكسر الضغط والتمرير الطولي الذي يغذي الهجوم. خبرتهم الأوروبية مهمة أمام فرنسا والنرويج.
*نقاط الضعف:*
1. *الدفاع وفراغات التحول*: خط الدفاع لا يزال المشكلة الأكبر. البطء في الارتداد وترك مساحات بين الظهيرين والقلوب استغلها المنافسون كثيراً. أمام هالاند ولامين وكيليان مبابي وماني، أي خطأ سيُدفع ثمنه غالياً.
2. *البناء من الخلف*: الفريق يميل للكرات الطويلة بدلاً من بناء اللعب تدريجياً. هذا يعطي الكرة للخصم بسهولة ويزيد الضغط على الدفاع. أرنولد يعمل على هذا الجانب في معسكر إسبانيا.
3. *إدارة النتيجة*: العراق يتراجع بدنياً وتكتيكياً بعد تسجيل هدف التقدم. فقدان الطموح الهجومي يمنح الخصم فرصة العودة، وهو ما حدث في عدة مباريات بالتصفيات.
4. *عدم استقرار التشكيل*: كثرة التغييرات منعت وصول الفريق للانسجام الكامل. لكن مع اقتراب المونديال، بدأ أرنولد في تثبيت 11 لاعباً أساسياً.
خامساً: هدف العراق الوحيد في المونديال.. إرث أحمد راضي
عندما نتحدث عن أهداف العراق في كأس العالم، يبرز اسم واحد فقط: الراحل أحمد راضي. هدف أسطوري في شباك بلجيكا 1986، جاء بتسديدة رأسية لا تُنسى، وهو الهدف العراقي الوحيد في تاريخ المونديال حتى الآن.
مهمة أيمن حسين ورفاقه في 2026 واضحة: كسر هذا الرقم وتسجيل أكثر من هدف، وربما هدف التأهل التاريخي. كل جماهير العراق تتمنى أن يكون الهدف القادم بنكهة عراقية خالصة.
سادساً: نجوم مرشحون للتألق في 2026
1. *أكام هاشم - صخرة الدفاع*: مدافع الزوراء أصبح أفضل قلب دفاع عراقي حالياً. قدم بطولات كبيرة في كأس العرب والملحق أمام بوليفيا والدوري المحلي. قوته في التمركز والالتحامات تجعله الرهان الأول لإيقاف هالاند وجيرو.
2. *أيمن حسين - القاتل في الصندوق*: الهداف الحالي للمنتخب. كل آمال العراق الهجومية معلقة على رأسه وقدمه اليسرى. لو حصل على الخدمة المناسبة، سيكتب التاريخ.
3. *أمير العماري - قلب الوسط النابض*: يقدم مستوى ثابتاً مع المنتخب في آخر المباريات. لاعب box-to-box يغطي مساحات كبيرة ويملك تمريرة حاسمة. أحد أعمدة أرنولد.
4. *زيدان إقبال - عقل الوسط*: لاعب أوترخت الهولندي يملك لمسة أوروبية. قادر على الاحتفاظ بالكرة تحت الضغط وإخراج الفريق من المناطق الخلفية. مواجهته للاعبي وسط فرنسا ستكون اختبار عمره.
سابعاً: ماذا قدم العراق في آخر ظهور مونديالي؟
في مكسيك 1986 وقع العراق في المجموعة الثانية بجانب المكسيك المستضيف، البارغواي، وبلجيكا. خسر المباريات الثلاث لكنه خرج بشرف:
1. خسارة 1-0 أمام البارغواي في مباراة متكافئة.
2. خسارة 2-1 أمام بلجيكا، وسجل أحمد راضي الهدف العراقي الوحيد في المونديال.
3. خسارة 1-0 أمام المكسيك بصعوبة كبيرة أمام 110 آلاف متفرج.
النتيجة صفر نقاط، لكن الأداء كان مشرفاً. الفارق لم يتجاوز هدف في كل مباراة، والفريق لعب بندية أمام أبطال العالم. هذه الذكرى هي الدافع لجيل 2026: نحن قادرون على الوقوف وجهاً لوجه مع الكبار.